how to get cheap flight tickets

السفر لتجديد الذات كيف تجدد نفسك في مكان آخر

في فيلم The Way يسافر الطبيب الأمريكي Tom إلى سان جان بييه دو بور في  فرنسا، لجمع رفات ابنه الذي سقط ميتا أثناء سفره عبر سلسلة جبال البرانس الوعرة، على طريق كامينو دي سانتياغو، وهو طريق تاريخي يعبره اليوم كثير من المغامرين ومن يمارسون السير فيه سعيا للتأمل وتطوير الذات. وبدلا من العودة لبلده يقرر توم استكمال رحلة ولده التطويرية عبر هذا الطريق وفاءا له. توم طبيب عيون ثري من كاليفورنيا، وهو منطوي على نفسه وسريع الغضب. مع مرور الوقت ينضم له في رحلته مسافرون آخرون  أصحاب شخصيات غريبة، كل واحد منهم عانى في حياته بشكل ما ويبحث عن معنى أكبر في حياته. هذه الصحبة المثيرة تدفع توم للخروج من قوقعته الذاتية. فتواجه المجموعة تحديات مختلفة أثناء مرورهم بالقرى التي على الطريق، وتدور بينهم أحاديث بين توم وJack كاتب الرحلات الثرثار من ايرلندا وSarah الساخرة الكندية، وJoost الضخم من هولندا ، تجعل توم المنعزل يعيد النظر في أفكاره عن الحياة وقيمتها وعن الآخرين. كان تخيل توم الحياة كرحلة مثل التي يقوم بها، واعتبار القرى والمراحل التي يمرون بها في الطريق كالماضي الذي يذهب ويجب تجاوزه والانهماك في الجديد،  دافعا لخروجه من أسر ماضيه الشخصي.

 

The Way

الشروع في الرحلات الطويلة من أجل تأمل الذات والحياة ليس غريبا عن التراث العربي والإسلامي. فكلمة مسافر اشتقت من كلمة سفر، لأن المسافر يسفر عن نفسه وعن أخلاقه أي يكشفها، فيظهر حقيقته وجوهره لنفسه وللآخرين . وترسخ الشغف بالسفر لتغيير الذات وتأملها في التراث العربي . فعبر السفر الذي يكون مقصودا فيه تأمل الآخرين وأشكال الاختلاف عنهم تتسع معارف المسافر ويفهم الكثير عن تنوعات الشخصيات في كل ثقافة ومجتمع. بل تنعكس معرفته بالآخر المختلف عنه في الثقافة والعادات والمفاهيم على زوايا في شخصيته قابلة للتطور ولم ينتبه لها قبل ذلك. فكم مسافر وجد أن تقاليداً أو أخلاقا مختلفة عما كان في البيئة  التي نشأ فيها تناسبه، ووجد أن نفسه تحتوي إمكانيات ومهارات وطرق للتفكير جديدة لها كانت تنتظر البيئة التي تحفز خروجها للعلن.  يقول ابن عربي“إنما هذه الأسفار كلها قناطر وجسور.. نعبر عليها إلى ذواتنا وأنفسنا” . هناك عبر الثقافات المختلفة أناس يمتهنون السفر بشكل منتظم لكي يستكشفوا للحياة وجوه أخرى ولذواتهم مجالا للتأمل وتجديدها، فالمسافر لأغراض تأملية وترويحية تؤثر عليه عدة أمور:

أولا، يخرج من نمط الروتين اليومي الذي يغرقه في تفاصيل مكرورة تشغل ذهنه عن غيرها. ويغتنم بعضا من حياته  لكي يخرج من دورة العمل كإنسان آلي طوال اليوم، فهو يخلق أوقاتا يحيا فيها بحق ويتمتع بما تمنحه له أوجه جديدة من الحياة وأنماط العيش.

ثانيا، يدع الأيام المرسومة بدقة لتحديد أهداف معينة خلف ظهره. فليس لديه خطة بل يساير الحياة ويترك مجالا للصدف والأمور الغير مخطط لها لتقود أيامه، وربما بسبب هذا البعد عن الروتين اليومي والذي لم يجربه من قبل، تلمع فكرة جديدة في ذهنه، أو تلامس روحه حالة لم يشعر بها من قبل. ربما يتكلم مع الغرباء، أو يقابل بعض الأشخاص الملهمين والذين يشاطرونه آماله و شغفه.

ثالثا، يغرس نفسه في بيئة جديدة بكل ما تحمله من آثار تجارب البشر وثقافتهم عليها، فالبشر الذين عاشوا وعبروا في كل التاريخ على هذا المكان قد خلقوا له روحه الخاصة، والمسافر المنتبه لذلك حين يغرس ذاته في مثل هذه البيئة فإنه في كثير من الأحيان يجد روحا ونفسا جديدة تشتعل لديه. وليس المقصود هنا قبوله لكل ما هو جديد عليه ، ولكن القصد أن الإمكانات المختزنة في ذاته ربما تواجه مكاناً مختلفا يحفزها ويشكلها بشكل جديدا.  وحتى أشكال المكان من عمران وتصميم تدمج هذا المسافر في عالمها الخاص من المشاعر والمعاني، وكما يشير المفكر هنري مالديني فإن البيئة التي يصممها المعماريون تدمج الذي يعيش فيها في روح خاصة بالمكان ، تتضمن هذه الروح إحساسات و مزاج خاص بحسب التصميم وشكل تقسيمه وتوزيعه للمكان. فأشكال القلاع التاريخية الرومانية والحدائق والقصور الأندلسية والمباني الحديثة في نيويورك تملك كل واحدة منها روح خاصة تنعكس على من يتجول فيها من المسافرين. فعلى سبيل المثال  إحدى أجمل مدن تونس هي سيدي بوسعيد، حيث تملك هذه المدينة منظرا رائعا لمبانيها المميزة المطلية باللون الأزرق والأبيض ولطرقاتها المرصوفة بالأحجار. فهي مثال للمعمار التونسي التاريخي.

 

طرقات سيدي بوسعيد

في مثل هذه الأجواء شعر أحد السياح بشعور خاص وهويتجول في هذه المكان التاريخي وحيدا فكتب “ما كل هذا الدفء الحميمي الآتي مع نسائم الريح الباردة فوق قمة سيدي بوسعيد، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وأنا أجلس وحيداً على حجر متناهٍ في القِدم، عاش حضارة القَرطاجيين الفينيق، وحارب مع الرومان، وتلا شهادة التوحيد مع العرب الأوائل

بينما شعر مسافر آخر كان يسترخي في مطعم دار زاروق في المدينة بأنه يطفو على سحابة وهو يواجه من طاولته في المطعم الآفاق الزرقاء للبحر الأبيض المتوسط. هل جربت عزيزي القارئ أن تتجول بلا تخطيط في شوارع كهذه ودون أن تحمل معك قائمة بالأماكن التي تريد المرور عليها سريعا ؟

مطعم دار زاروق

اترك تعليق