cheap flights in riyadh

كيف انتصر الأخوين رايت في السباق العالمي لصناعة أول طائرة

كيف انتصر الأخوين رايت في السباق العالمي لصناعة أول طائرة

كلنا الآن يعلم عن النجاح الهائل قبل ١١٣ عاما(عام ١٩٠٣) للأخوين رايت في أول محاولة طيران ناجحة في تاريخ البشرية. لكن هل كان العالم يتابع محاولتهما باهتمام؟ وهل تم استقبال نجاحهما بالإحتفاء اللائق مباشرة؟ الحقيقة أن ما حدث تلك الفترة كان أكثر تعقيدا واضطرابا مما نتصور. فالأخوين رايت كانا مجرد شخصين من بين عدد كبير من المغامرين والعلماء والعمال الذين فتنتهم معضلة الطيران وحاولوا بجهد التغلب عليها.  يشرح صاحب كتاب” قهر الهواء: الأخوين رايت والسباق الكبير من أجل الطيران” جيمس توبين، كيف كان ادعاء الأخوين رايت بأنهم طارا لمسافة ٨٥٢ قدما لمدة ٥٩ ثانية مجرد واحدا من ادعاءات كثيرة في صورة بلاغات عن محاولات للطيران. ولم يستطع العالم أن يدرك تماما ما حققه الأخوان من إنجاز إلا بعد ست سنوات.

كان السيد ميلتون رايت أسقفا لكنيسة في منتصف القرن التاسع عشر ، وفي إحدى سفراته المتعددة جلب لولديه ويلبور وأورفيل لعبة على شكل هليكوبتر لمصمم فرنسي يدعى بناود ألفونس، وبسببها تولع الولدين بالطيران. وفي تسعينيات القرن، امتلك الشابان محلا للدراجات في دايتون بأوهايو، وظلا يعيشان مع والدهما. وبدأ الشغف يتملكهما بالمشاركة في السباق الكبير الذي كان يدور في العالم لإنجاز أول طائرة تطير بدفع محركها وليس بدفع الهواء، وبدأت تجاربهم في سبيل ذلك. وقد خدمت مهاراتهم المكتسبة في محل الدراجات في بنائهما لاحقا للطائرة ومحركها الذي يعمل بالغازولين.

ويلبور رايت يعمل في ورشة الدراجات

كان الأخوين يعملان بتمويل ذاتي محدود، بينما تضمن السباق للفوز بلقب أول من يحلق في الهواء رجال كثيرون أكثر شهرة وأفضل تمويلا، كانت الأضواء تدور مثلا على ساميول لانجلي وهو عالم في الفيزياء الفلكية وأمين معهد سيمثسونيان، فهو منذ عام ١٨٨٦،وكان يبلغ من العمر وقتها ٥٢ عاما، كان مستغرقا في علم الطيران. وبحلول عام ١٨٩٩، وبتمويل ضخم من وزارة الحربية الأمريكية، كان لانجلي يقود فريقا كاملا لتصميم وبناء طائرة يقودها طيار. يقول توبين : إن كلا من لانجلي والأخوين رايت شخّص المشكلة بطريقة مختلفة جدا، وأن لانجلي كان مخطئا، فقد ركز جهوده على تصميم محرك قوي وخفيف الوزن ولكن الإطار الذي ثبته فيه كان يفتقر إلى طريقة التوجيه.  بينما كان الأخوين رايت يوقنان بأن التوازن والتوجيه هما أساس المعضلة. وتقريبا كان آخر ما اهتما فيه هو إضافة محرك لإحدى طائراتهما الشراعية، التي كانا يجريان التجارب عليها منذ عام ١٩٠٠.هنا يبرز عامل مهم في حل أي معضلة تواجه البشر، هو القدرة الصحيحة على تشخيص المشكلة قبل الكد في البحث عن حلول لتشخيص خاطئ. ولأجل حل المعضلة من وجهة نظرهما؛ قاما ببناء نفق هوائي خاص بهما في ورشتهما، حيث جربا أكثر من ٢٠٠ نموذج للأجنحة لتجنب أخطاء من سبقهم في حساب ضغط الهواء على الأجنحة.

 وبحسب توبين، فإن ما ميز ويلبور وأورفيل  عن منافسيهم الأكثر شهرة كان استعدادهما الخاص لتعلم كيفية تنفيذ المهام الصعبة. ويقول توبين عن ويلبور تحديدا “لا يمكن تخيل شخص مثله أخلص لخطة معينة وثابر على تنفيذها بعناية شديدة، وعرف ما يريد أن يفعله، وفعله بالضبط”.

في شهر اغسطس ١٩٠٢، سيطر على الأخوين شغف لبيع محل الدراجات والعودة لكيتي هاوك بنورث كارولاينا حيث كانا يجريان تجارب الطيران، وأمضيا الشتاء كاملا في تنفيذ تصميم جديد لطائرتهما. وكانا قبل ذلك ملئا بيت والدهما بالعمل والأدوات المستخدمة للتصميم. فانكبا على خياطة قماش الموصلين الأبيض الذي سيصنع منه السطح الخارجي للطائرة ، مستفيدين من مهارات الحياكة التي كانت والدتهما سوزان علمتهما إياها. وبدت أختهما كيت-٢٨ عاما- مشدوهة وهي ترى شقيقاها يدفعان قطع الأثاث بعيدا عن الطريق ويملآن الطابق الأول من المنزل بالقطع الخشبية وبمالا نهاية له من القماش. وقد كتبت إلى والدها ميلتون قائلة ” ويلبور يدير ماكينة الخياطة على مدار الساعة في حين أن أورفيل يتجول جالسا القرفصاء لوضع علامات على الأماكن المراد حياكتها. لم يتركوا مكانا في البيت لنعيش فيه”،  بينما كان سكان قرية كيتي هاوك، حيث كان يعملان بجد لإجراء التجارب، ينظرون لهما كإثنان من الحمقى المجانين، يقول جون دانييلز الذي كان يعمل في نقطة حراسة قريبة منهما ” كنا نضحك في سرنا سخرية منهما”. في ذلك الوقت كان الأخوين منهمكين بجهد طويل لا يطاق لمعرفة كيفية إحداث التوازن المطلوب لطائرتهما حين تحلق في الهواء. يعلق توبين على نوعية ذلك الجهد ” كان منهجهما بسيطا لكنه نادر. لقد قسما المهمة إلى أجزاء ويكملان كل جزء على حدة. كانا يطبقان كل إنجاز صغير عمليا، حتى يمسكا بناصيته، ثم يمضيان في طريقهما. أفضل مثال كان اعتيادهما البقاء قريبين جدا جدا من الأرض خلال طلعاتهما، أحيانا لا يتجاوز الارتفاع بضع بوصات من الرمال. يقول ويلبور “في حين أن التحليق المرتفع كان أكثر إثارة من الناحية الإستعراضية، فقد كان التحليق المنخفض، بكل ما في الكلمة من معنى، ذا قيمة كبيرة للأغراض التدريبية” ويضيف ” إن المهارة تكتسب من خلال التكرار المستمر لعمل مألوف، أفضل من اكتسابها عبر محاولات قليلة تكتنفها المغامرة في أعمال لا يكون القائم بها مهيأ لها بالقدر الكافي”. نحن هنا، عزيزي القارئ، نقف في قلب عمل شاق كان يتجنب تأثير الآخرين عليه وامتلك تركيزا هائلا على الحصول على النتيجة وباذلا كل الجهد الذي تستحقه.

 

و في صباح ١٧ ديسمبر عام ١٩٠٣، بعد ٤ سنوات من الجهد والمحاولات الفاشلة، أجرى الأخوين ٤ محاولات طيران ناجحة ، حيث تمكن ويلبور من الطيران بالطائرة لمدة ٥٩ ثانية ولمسافة ٨٢٥ قدما.

الأخوين رايت وهما يقومان بأول تحليق جوي في تاريخ البشر عبر آلة أثقل من الهواء

علق أورفيل على ما جرى بوصف تحرى فيه التواضع وعدم المبالغة ” طلعة متواضعة جدا مقارنة بما يفعله أي طائر..لكنها كانت مع ذلك الأولى في تاريخ العالم التي حملت فيها ماكينة رجلا ورفعت نفسها بقوتها الذاتية في رحلة جوية كاملة”. لم يكن غريبا في نهاية المطاف أن يقارن أورفيل ما فعلاه بالطيور ، فهذين المتفردين كانا أثناء محاولاتهم الشاقة لمعرفة كنه التوازن المطلوب للتحليق، يراقبان أفراد طائر النورس تحلق على ارتفاعات عالية ثم تهبط مائلة على رأسيهما لساعات متواصلة. لقد سجل الأخوين رايت تأكيدا هاما على أن الجهد البشري المنظم والمنفتح على التعلم، بمقدوره تخطي عوائق التمويل وقلة الإمكانيات، وصنع لحظات فاصلة في تاريخ البشر من قبل أفراد مغمورين.

تلغراف من أورفيل رايت في كيتي هوك، كارولاينا الشمالية، إلى أبيه يعلمه بأربع محاولات طيران ناجحة

 

 

اترك تعليق