saudi-flyakeed

الشخص الذي حدد مواقع معظم المطارات بالمملكة لم يمتلك سيارة قط بحياته

ام ١٤١٩ في الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية، حلقت طائرة قديمة من نوع C-47 أمريكية الصنع في سماء الرياض وجدة، ومن ثم تم تسليمها إلى المتحف في الرياض ليصبح مقرها الأخير. كانت لهذه الطائرة رمزية أهلتها لتكون جزءا من الاحتفال التاريخي للمملكة العربية السعودية. قبيل اللقاء الأول للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز طيب الله ثراه في فبراير ١٩٤٥، تلقى هاري سنايدر المستشار بوزارة الخارجية الأمريكية رسالة من البيت الأبيض تطلب تقديم اقتراح لهدية لائقة يقدمها الرئيس روزفلت للملك عبد العزيز بمناسبة اللقاء التاريخي. مباشرة اقترح سنايدر أن الأنسب هو تقديم طائرة ، لما لهذه الهدية من وقع على مستقبل بلد صحراوي لا تزال وسائل المواصلات فيه بدائية، وصعوبات تتعلق بالميزانية المفترضة تمت الموافقة على الفكرة. كانت طائرة C-47 تنتج لصالح المجهود الحربي كناقلة جنود فتم تطوير التصميم الداخلي لها لمجلس ملكي يليق بمكانة الملك عبد العزيز. وبعد سنوات قليلة من الاستخدام الملكي لها أحيلت الطائرة إلى الأسطول العام للخطوط السعودية حتى عام ١٩٧٧ حيث أحيلت للتقاعد. كانت تلك أول طائرة تمثل نواة الخطوط الجوية العربية السعودية . إلا أن بدايات الطيران في السعودية تمتد أقدم من هذا التاريخ، حيث تعود لفترة غير معروفة كثيرا. يحكي أحد ريادي الطيران في السعودية حمزة الدباغ شيئا من تاريخ تلك البدايات في سيرته الذاتية (من الجمل إلى الطائرة) ” في عام ١٩٣٠ قامت جمعية أهلية في مكة المكرمة باسم “جمعية الطيران العربية” وكان رئيسها الفخري الأمير فيصل بن عبد العزيز آنذاك، واشترك في عضويتها صالح شطا وفؤاد حمزة ويوسف ياسين وغيرهم. وكانت أهداف الجمعية تشجيع الطيران والعمل على إغراء الشباب للإلتحاق به، وجمع الأموال لإنشائه..لكن الجمعية لم تعمر طويلا لضعف الموارد. فقرر جلالة الملك عبد العزيز أن تتبنى وكالة وزارة الدفاع المهمة. وتم اختيار عدد من الطلاب عام ١٩٣٤ و ابتعثوا إلى إيطاليا لدراسة الطيران الحربي، وعادوا عام ١٩٣٦ وسط استقبال حافل رسميا وشعبيا، وتمكنوا من الطيران المنفرد على طائرات حربية.وقد استخدموا في تلك الفترة طائرتين إنجليزية الصنع ، ثم تسلمت السعودية طائرتين فرنسيتين من ذات المحرك الواحد، ثم تشكل تدريجيا أسطولا جويا صغيرا. واستخدم هذا الأسطول في رحلات داخلية محدودة بالذات في الشؤون الصحية والإنقاذ. فقد استخدمت إحدى هذه الطائرات لنقل مصل الجدري إلى جيزان عام ١٩٣٨ واستخدمت أيضا في مكافحة الجراد. ويبدو أن هذه المرحلة من أنشطة الأسطول قد انحسرت بالتدريج، وانتهت بوصول طائرات أكبر وتشكيل منظومة أقرب إلى خط نقل جوي منتظم، وهي الخطوط الجوية العربية السعودية”.

الدفعة الأولى من المبتعثين السعوديين لإيطاليا

وفي مايو ١٩٤٥، بدأت الانطلاقة الأولى لحركة الطيران في أجواء المملكة العربية السعودية بالطائرة الوحيدة من طراز (دي سي 3) التي أهديت إلى الملك عبدالعزيز من الرئيس الأمريكي روزفلت،والتي بدأ تشغيلها لنقل الركاب بين الرياض وجدة والظهران، ولاحقا أمر الملك عبدالعزيز بشراء عدد من الطائرات لدعم حركة النقل الجوي في المملكة. وفي سبتمبر عام ١٩٤٦ تم الإعلان عن تأسيس الخطوط الجوية العربية السعودية واتخذت شعارًا لها (SDI) وكانت تتبع لوزارة الدفاع والطيران. وفي أكتوبر من العام نفسه انطلقت أولى الرحلات الجوية الدولية إلى مطار اللد في فلسطين لنقل الحجاج عبر العاصمة اللبنانية بيروت. وفي العام التالي مباشرة ١٩٤٧ تم تسيير أولى الرحلات الداخلية المجدولة فيما بين جدة والرياض والهفوف والظهران، بالإضافة إلى الرحلات الدولية إلى كل من عمان، وبيروت، والقاهرة، ودمشق، وذلك
بطائرات من طراز (DC-3).

cheap-booking

هذه النقلة السريعة للشعب السعودي من وسائل النقل البدائية إلى وسيلة النقل الجوي دون المرور بالتدرج التقليدي عبر استخدام السيارات والقطارات، كانت متوافقة مع التطور السريع الذي قامت به هذه الدولة الناشئة في مجالات مختلفة من الحياة، وما يصاحب هذه النقلات السريعة من مفارقات. فيروي مثلا عبد الهادي سمان- أحد أوائل الملتحقين بالخطوط السعودية- في سيرته الذاتية كيف كان المواطنون آنذاك يسعون من مسافات بعيدة و يتجمهرون لمشاهدة تلك الطائرات وهي تحلق في الجو ويتطلعون للسفر على متنها. ومن المفارقات، أن أحد أوائل من تعلموا الطيران وهو عبد السلام سرحان، أوكلت إليه مهمة تخطيط مهابط الطائرات في المملكة عامة، وهو عمل مرهق، وكان يتنقل بين مدن المملكة على ظهور الدواب، كما يروي صديقه حمزة الدباغ. فهذا الشخص الذي حدد مواقع معظم المطارات بالمملكة لم يمتلك سيارة قط بحياته رغم قدرته على ذلك. كان هذا التداخل بين العالم القديم والعالم الحديث في فترة واحدة، وهذا الانتقال السريع بين وسائل المواصلات هو قدر هذا البلد الذي تأخر وصوله للعالم الحديث لكنه ما لبث أن تقدم الصفوف سريعا.

اترك تعليق